ترحيب أهالى قرية «النواورة» بعودة المهندس أحمد
لم تكن قصة من وحى الخيال ولا من كتاب ألف ليلة وليلة، بل رواية واقعية عاشتها عائلة بمركز البدارى فى محافظة أسيوط، إثر فقد الأسرة طفلها الصغير «محمد»، لتستمر معاناتهم أكثر من عقدين من الزمان، ثم يعود الصغير شاباً يافعاً إلى أحضان والديه، بعد أن أصبح اسمه «أحمد»، يلتقى بأسرته مجدداً فى منزل العائلة لتنتهى رحلة الفراق التى دامت لأكثر من 20 عاماً وسط ذهول ودموع الفرح التى طغت على اللقاء.
الأم: «دعوت الله أن أراه قبل مماتى فعادت إلىّ روحى».. والابن: «عرفت أمى من دموعها»
البداية تعود أحداثها إلى عام 1996 فى عزبة «عقيل»، التابعة لقرية «النواورة» بالبدارى، فى أحد منازل عائلة رحومة، حيث كانت العائلة تحتفل بـ«سبوع» مولود جديد لعم الطفل «محمد عبدالله أحمد على»، 3 سنوات ونصف، استغل الطفل الاحتفال ليلهو أمام المنزل مع عدد من أطفال القرية، وتصادف مرور مجموعة من سيارات النقل، كانت تقوم بنقل الحجارة للقرية، فركب الطفل إحداها ليلهو على سطحها، ولكنه لم يعلم أنه ركب السيارة ليبدأ رحلة حياة جديدة بعيداً عن أهله وذويه، حيث رحلت السيارة عن القرية وعلى متنها أحمد لتصحبه إلى مستقبل مجهول.
بعد اختفاء الطفل بدأت رحلة البحث عنه سنوات طويلة، لم تنقطع دموع والديه، وساورتهم الشكوك أن يكون وراء اختفائه من قام باختطافه، أو أن يكون الطفل قد غرق فى مياه النيل، نظراً لقرب مجراه من منزل الأسرة. وبعد أسابيع من البحث استعانوا بالغواصين لتمشيط مجرى النهر، إلا أنهم لم يستدلوا على أى شىء، واستمر البحث من الصعيد إلى وجه بحرى دون جدوى، وعاش والداه على أمل لقائه، خاصة أنه الولد الوحيد، على 5 بنات، واستسلموا للواقع، بعد سنوات طويلة من الشقاء بحثاً عن نجلهم.
وصل الطفل «محمد» إلى محطة المطرية بالقاهرة، وعثرت عليه سيدة تُدعى «أم صالح»، فقامت بتربيته بين أبنائها لقرابة عام وحاولت خلال تلك الفترة التوصل لأهله، فكانت تبلغ مواصفاته لمن تقابله من تجار الفاكهة والخضراوات فى عدد من المحافظات، عسى أن يدلها أحد على أهله أو يكون سمع عن طفل مفقود بنفس مواصفاته، وبعد فقدانها الأمل سلمته عن طريق قسم الأزبكية لدار رعاية، ثم انتقل منها لدار رعاية خاصة، تحت اسم «أحمد» وظلت «أم صالح» على اتصال بالدار لسبع سنوات، ثم انقطعت أخبارها عنه.
تكفلت سيدة أعمال بمصروفات الطفل داخل الدار حتى أتم مراحل تعليمه المختلفة وحصل على بكالوريوس هندسة فى نظم تكنولوجيا المعلومات، وبعدها قرر البحث عن أهله، وفى فبراير 2016 قام المهندس أحمد بنشر رسالته ونداءاته للبحث عن أسرته على صفحات التواصل الاجتماعى، كما قام بعرض صورته بأحد البرامج التليفزيونية لتنتهى الرحلة بالتقاء أحمد مع أسرته.
«الوطن» شهدت لحظة استقبال الأسرة نجلها، زغاريد على أنغام الطبل البلدى، وسط فرحة عارمة بين أفراد الأسرة ومشاركة أهالى القرية للحظة عودة الابن الذى خرج منذ أكثر من عشرين عاماً. روى أحمد تفاصيل الحكاية قائلاً: «كان عمرى 3 سنوات فقط عندما غادرت القرية، وخلال 20 عاماً أكملت دراستى بالدار بعد أن تكفلت سيدة أعمال بمصاريف الدراسة واسمها عبلة السيد، وعقب وصولى للسن القانونية خرجت من الدار واستأجرت شقة، ثم عملت إلى جوار دراستى حتى أنهى تعليمى الجامعى».
وتابع أنه تواصل مع أحمد الجيزاوى، المسئول عن صفحة المفقودين على «الفيس بوك»، ونشر صورته وعلامات بجسده، وبالفعل تلقى اتصالات متعددة من أسر كثيرة، وأضاف: «فوجئت بوالدتى تكلمنى فى التليفون وتسألنى عن علامات بجسمى لا يعلمها أحد، والحمد لله تحقق الأمل»، مشيراً إلى أن الفضل الأول فى عثوره على أسرته كان لصفحة المفقودين، حيث ساهم أكثر من 2 مليون مستخدم فى مشاركة صوره، لافتاً إلى أن الفترة التى استغرقها للعثور على أسرته، من بداية نشره الصور لم تتعد 4 شهور، مضيفاً: «عرفت أمى من دموعها، وهى تردد: يا ولدى.. يا أحمد اشتقتلك، عرفتنى فأسرعت إليها وحضنتها، وقلت لها يا ماما وقبّلت يدها ووجنتيها، وقلت لها لن نفترق ثانية، خاصة أنهم أسرة متوسطة الحال، سأساعدهم وأحاول البحث عن عمل بمؤهلى، وخلال الفترة المقبلة سأبدأ فى إجراءات تغيير بيانات شهادة الجيش والمؤهل وكل أوراقى الثبوتية».
لم تتمالك الأم نفسها، حيث أجهشت بالبكاء وهى تلملم جرحها النازف ألماً وفراقاً منذ عقدين وأكثر، وقالت بصوت دافئ: «اليوم عادت إلىّ روحى، لم يكن لدىّ أمل برؤيته مجدداً، لقد بحثت عنك كثيراً يا فلذة كبدى وسألت وفتشت دون جدوى، إلى أن فقدت الأمل، لكن أملى بالله كان قوياً، فكنت فى صلاتى أناجيه: يا رب لا تحرمنى من أمنيتى أن أرى ولدى أحمد قبل مماتى»، وأضافت: «الحمد لله قد تحققت الأمنية، ولم أعد أريد شيئاً من هذه الدنيا سوى البقاء مع أحمد حتى أموت».
وتابعت: عقب رؤيتى للصورة كان لدىّ ثقة من أنه ابنى المفقود، وأنتظر تحاليل «DNA»، لكن العلامات المبدئية أكدت لى أنه ابنى، حيث إننى أعرف العديد من العلامات فى أنحاء متفرقة فى جسده، منها علامة بين أصابع اليد اليسرى، وعلامة أسفل صدره، وعلامة بفخذه اليمنى والتى لم يكن يعرفها أحد سوى أنا فقط.
وذكر والد أحمد أنه علم بفقدانه نجله وهو فى السعودية وعلم أيضاً بعودته وهو فى السعودية، مشيراً إلى أنه فور رؤية صوره تأكد من أنه نجله، ووجّه الوالدان رسالة شكر إلى السيدتين بعد مساهمتهما فى تربيته حتى أنهى تعليمه الجامعى.
فرحة والدته بعودته إليها مرة أخرى